فصل: تفسير الآيات (107- 109):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (107- 109):

{ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109)}
قوله تعالى: {ذلِكَ} أي ذلك الغضب. {بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا} أي اختاروها على الآخرة. {وَأَنَّ اللَّهَ} {أَنَّ} في موضع خفض عطفا على {بِأَنَّهُمُ}. {لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ} ثم وصفهم فقال: {أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ} أي عن فهم المواعظ. {وَسَمْعِهِمْ} عن كلام الله تعالى. {وَأَبْصارِهِمْ} عن النظر في الآيات. {وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} عما يراد بهم. {لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ} تقدم.

.تفسير الآية رقم (110):

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا} هذا كله في عمار. على الجهاد، ذكره النحاس.
وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون وعذبوهم، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة.
وقيل: نزلت في ابن أبى سرح، وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان فأجاره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكره النسائي عن عكرمة عن ابن عباس قال: في سورة النحل. {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ- إلى قوله- وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} فنسخ، واستثنى من ذلك فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} وهو عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذي كان على مصر،. كان يكتب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

.تفسير الآية رقم (111):

{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)}
قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها} أي إن الله غفور رحيم في ذلك. أو ذكرهم. {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها} أي تخاصم وتحاج عن نفسها، جاء في الخبر أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي! من شدة هول يوم القيمة سوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يسأل في أمته. وفى حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، خوفنا هيجنا حدثنا نبهنا. فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لاتت عليك تارات لا يهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبى منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلى بالخلة فيقول: يا رب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي! قال: يا كعب، أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}.
وقال ابن عباس في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: رب، الروح منك أنت خلقته، لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشى بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني، فيقول الجسد: رب، أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذنى، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني منه. قال: فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالاعمى لا يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى ايتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله، فأصابوا من الثمرة، فعلى من يكون العذاب؟ قالا: عليهما قال: عليكما جميعا العذاب، ذكره الثعلبي.

.تفسير الآية رقم (112):

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)}
قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً} هذا متصل بذكر المشركين. وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا على مشركي قريش وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف». فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجه إليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاما ففرق فيهم. {كانَتْ آمِنَةً} لا يهاج أهلها. {يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ} من البر والبحر، نظيره {يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ} الآية. {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} الانعم: جمع النعمة، كالاشد جمع الشدة.
وقيل: جمع نعمى، مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفران تكذيب بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {فَأَذاقَهَا اللَّهُ} أي أذاق أهلها. {لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. {بِما كانُوا يَصْنَعُونَ} أي من الكفر والمعاصي. وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبى إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد وعباس {والخوف} نصبا بإيقاع أذاقها عليه، عطفا على. {لِباسَ الْجُوعِ} أي أذاقها الله لباس الجوع وأذاقها الخوف. وهو بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سراياه التي كانت تطيف بهم. واصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء. وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد، أي إنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى. وقد قيل: إنها المدينة، آمنت برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم كفرت بأنعم الله لقتل عثمان ابن عفان، وما حدث بها بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفتن. وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قيل: إنه مثل مضروب بأى قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى.

.تفسير الآية رقم (113):

{وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (113)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} هذا بدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. {فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ} وهو الجوع الذي وقع بمكة.
وقيل: الشدائد والجوع منها.

.تفسير الآية رقم (114):

{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}
قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي كلوا يا معشر المسلمين من الغنائم.
وقيل: الخطاب للمشركين، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث إليهم بطعام رقة عليهم، وذلك أنهم لما ابتلوا بالجوع سبع سنين، وقطع العرب عنهم الميرة بأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكلوا العظام المحرقة والجيفة والكلاب الميتة والجلود والعلهز، وهو الوبر يعالج بالدم. ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جهدوا وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان.
وقال له أبو سفيان: يا محمد، إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون.

.تفسير الآية رقم (115):

{إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)}
تقدم في البقرة القول فيها مستوفى.

.تفسير الآيات (116- 117):

{وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (117)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {لِما تَصِفُ} ما هاهنا مصدرية، أي لوصف.
وقيل: اللام لام سبب وأجل، أي لا تقولوا لأجل وصفكم {الْكَذِبَ} بنزع الخافض، أي لما تصف ألسنتكم من الكذب. وقرئ {الكذب} بضم الكاف والذال والياء، نعتا للألسنة، وقد تقدم. وقرأ الحسن هنا خاصة {الْكَذِبَ} بفتح الكاف وخفض الذال والباء، نعتا {لما}، التقدير: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، {هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}. الآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة. فقوله: {هذا حَلالٌ} اشارة إلى ميتة بطون الأنعام، وكل ما أحلوه. وقوله: {وَهذا حَرامٌ} إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموه. {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ قَلِيلٌ} أي ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب.
وقال الزجاج: أي متاعهم متاع قليل.
وقيل: لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم.
الثانية: أسند الدرامى أبو محمد في مسنده: أخبارنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. قال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس ان يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولون إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. ومعنى هذا: ان التحليل وتحريم انما هو لله عز وجل، وليس لاحد ان يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، الا ان يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه. وما يؤدى إليه الاجتهاد في انه حرام يقول: انى اكره كذا. وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من اهل التقوى. فان قيل: فقد قال فيمن قال لزوجته أنت على حرام انها حرام ويكون ثلاثا. فالجواب أن مالكا لما سمع علي بن ابى طالب يقول انها اقتدى به. وقد يقوى الدليل على التحريم عن المجتهد فلا بأس عنه ذلك ان يقول ذلك، كما يقول ان الربا حرام في غير الأعيان السته، وكثيرا ما يطلق مالك رحمه الله، فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق المقاصد لقوة الادلة في ذلك.

.تفسير الآية رقم (118):

{وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)}
قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا} بين ان الأنعام والحرث حلال لهذه الامة، فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء. {حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} أي في سورة الأنعام. {وَما ظَلَمْناهُمْ} أي بتحريم ما حرمنا عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم، كما تقدم في النساء.

.تفسير الآية رقم (119):

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)}
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ} أي الشرك، قاله ابن عباس. وقد تقدم في النساء.

.تفسير الآية رقم (120):

{إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)}
قوله تعالى: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} دعا عليه السلام مشركي العرب إلى ملة إبراهيم، إذ كان أباهم وباني البيت الذي به عزهم، والامة: الرجل الجامع للخير، وقد تقدم محامله.
وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن مسعود قال: يرحم الله معاذا! كان أمة قانتا. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام. فقال ابن مسعود: إن الامة الذي يعلم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع. وقد تقدم القنوت في البقرة و{حَنِيفاً} في الأنعام.

.تفسير الآيات (121- 122):

{شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)}
قوله تعالى: {شاكِراً} أي كان شاكرا. {لِأَنْعُمِهِ} الانعم جمع نعمة. وقد تقدم. و{اجْتَباهُ} أي اختاره. {وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً} قيل: الولد الطيب. وقيل الثناء الحسن.
وقيل: النبوة.
وقيل: الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد عليه السلام في التشهد.
وقيل: إنه ليس أهل دين إلا وهم يتولونه.
وقيل: بقاء ضيافته وزيارة قبره. وكل ذلك أعطاه الله وزاده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}. {من} بمعنى مع، أي مع الصالحين، لأنه كان في الدنيا أيضا مع الصالحين. وقد تقدم هذا في البقرة.

.تفسير الآية رقم (123):

{ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)}
قال ابن عمر: أمر باتباعه في مناسك الحج كما علم إبراهيم جبريل عليهما السلام.
وقال الطبري: أمر باتباعه في التبرؤ من الأوثان والتزين بالإسلام.
وقيل: أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، قاله بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي. والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع، لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً}
مسألة- في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول- لما تقدم إلى الصواب- والعمل به، ولا درك على الفاضل في ذلك، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل الأنبياء عليهم السلام، وقد أمر بالاقتداء بهم فقال: {فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ}.
وقال هنا: {ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ}.